روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

63

مشرب الأرواح

الباب الرابع في مقامات الصديقين وفيه خمسون فصلا الفصل الأول : في مقام الاعتبار العقل الصافي إذا تنوّر بنور الإيمان والإيقان ، ويلتبس بصفاء العرفان كحل عينه بسناء التوحيد ، ويتحرك من عالم الفطرة ، ويدور في عالم تخليقه ، ويطلب حكم الغيب في حسن اصطناع الربوبية ، ويرى في مرآة الكون أشكال الملكوت ، ليقيس أنوار الجبروت ، ويلتقي بها إلى رفارف القدس ورياض الأنس ، فإذا عرف أحكام الفعليات ، ويستبدل الأشياء على الأشياء ، ويرى من الأشياء موجدها ، بلغ إلى أحكام المعرفة ، وعرف المعروف بأنوار فعله وصفاته ، قال اللّه تعالى : فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [ الحشر : 2 ] ، وقال حارث المحاسبيّ : الاعتبار الاستدلال بالشيء على الشيء ، وقال قوم : الاعتبار ما وضح فيه الإيمان واستتر فيه المعقول ، وقال قوم : الاعتبار ما نفذ في الغيب ولم يرده مانع ، وقال العارف رضي اللّه عنه : الاعتبار جولان العقول في الشواهد لاقتباس أنوار الصفات من مشكاة الأفعال . الفصل الثاني : في المراعاة المراعاة مراقبة العارف ما يبدو من الغيب من أحكام القهريات واللطفيات في القلب والنفس فكل شيء يتعلق بأوصاف البشرية تردها بأنفاس المعرفة إلى النفس ، وتقدس بمياه الهمة كلّ خاطر دون الحق منها ، وما يظهر من بوادي الحق تربية بجمع الهمة ويقره في مقام الذكر وصميم العقل لينور به طرق الحقائق ، قال اللّه تعالى في ذنب من لم يراع أحكام معارفه : فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها [ الحديد : 27 ] ، فمن قصد في جريان أنفاسه مراعاتها حتى لا يصعد من قلبه نفس إلا بتجريده عن ذكر ما دون الحق يقع في مراعاة الحق سبحانه وتعالى ويكون محفوظا بعين الأزل عن جميع الزلل ، ألا ترى كيف وصف الحق سبحانه صدّيقه يوسف عليه السلام : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف :